إن علم الأصول من العلوم الجليلة التي يحتاجها المكلف لتحصيل الملكات والمعايير التي تنفع في فهم النص الديني والوصول للنتائج المجزية والمبرئ لما في الذمة بفراغها اليقيني بعد استنباط بعناصر متعددة من المصادر الشرعية الخاصة بين منقول ومعقول.
من المعقول سياقات عقلية متعددة تختلف باختلاف مناهجها ومدارسها من جهة الغرض والغاية عبر سبلها المختلفة لتحصيل النتائج عبر منظومة متنوعة من مناهج متنوعة تدرس الغرض والفرض في الوصول للصحة في نتائجها ناشدة الصدق والاقتناع الإطمئناني عبر تشخيص الوظيفة العملية للفراغ من الاشتغال.
فالاستنباط وآليته متعدد بتعدد المدارس أو السياقات في سبل الوصول للنتائج من جهات متعددة منها أن التقنين مبني على خلو الطريقية من المغالطات والشبهات والأخطاء الآلية في اليقينيات والمشكوكات فالذمة إذا اشتغلت بالأحكام واقعية كانت أم ظاهرية تكليفية كانت أم وضعية فعليها سلوك مسالك الفراغ والبحث عن الإجزاء.
مما لا شك فيه أن المواضيع المتواطئة والمشككة تحتاج لمعايير مجعولة من الشارع أو مقبولة في طريقيتها العقلية عند الشارع المقدس لتحديد نوع أو جنس أو ظرف أندراجها تحت العناوين التي تتعلق بها الأحكام الشرعية في ثوابتها أو متغيراتها التي تؤثر أو تتأثر بالأحكام الشرعية أو أوضاعها وحالاتها حيث تتكفل الأدوات المعقولة بتشخيص تلك العروض الذاتية عليها.
الأحكام الشرعية المستنبطة باختلاف مواردها عادة ما تكون متنوعة بحسب المواضيع والمصاديق الموضوعية الخارجية فيما لو كان موضوعا، أو ما يتنجز من العلم الإجمالي أو ما ينحل منه أو يتمخض من علم تفصيلي من جهات السعة والضيق والطول والعرض وما يندرج من شدة أو ضعف في درجات التشخيص في الملاك أو المورد.
هناك خطورة في تطبيق القواعد العقلية حيث نهى الشارع عن القياس وأشكاله الثلاثة إن اعتبرنا الشكل الأول نوعا بديهيا، كما هو ظاهر أن الحد الأوسط لو عد علة وتمت تعديته لجميع الصغرويات في بعض المذاهب، ليكون من سنخ السبر والتقسيم المرفوض عند أهل البيت عليهم السلام وعند علماء الطائفة، فهذه الصور المختلفة يختشى دخولها في الاستنباط كعناصر، ويحذر ويحتاط من دخولها العلماء الأجلاء في سياقات الجوانب العقلية في عملية الاستنباط.
إن الطرق البرهانية التي سلكها العلماء تتفق غالبيتها على طريقة البرهان الأرسطي منطقيا، وهناك مدارس سلكت طريق الاستقراء وبناء النظم الاحتمالية، وفي هذا التنوع المنطقي وتعدده اختلفوا في فلسفة البرهان من جهته الآلية والإنتاج المعرفي الموصل للعلم، كما ناقشوا جدواها وقبول الشارع لها كسيرة عقلائية أو كدليل عقلي ومدى إمضائه لمثل هذه المناهج، ولكن أداة التعقل في ظهور الدلالات اللفظية من مطابقية أوالتزامية ومعايير الصدق واليقين والظن المعتبر التي تقود لنتائج في الصغرويات من جهة أن الالتفات للكبرويات حال استنباط المسائل الشرعية كان لها الظهور الكافي لتحقيق التبادر المنشود من الخطاب الشرعي.
ولكن!
المعيار العقلي الذي يفترض الوصول فيه للأحكام التوصلية أو الوضعية أو الوظبفة حال الشك في التعبدية محكوما بأحكام المنطق بالوجوب والإمكان والامتناع قائم بمسلكية المنطق الصوري والبرهان الأرسطي عند علمائنا الأعلام كمباحث المقتضي والمانع وغيرها في المدارس الأصولية المختلفة التي اندرجت تحت مدرسة قبح العقاب بلا بيان، ما عدا مدرسة حق الطاعة التي أسست مدرسة أصولية باستدلالها الاستقرائي تحت معيار الاحتمال الرياضي في مديات ونسبيات الاقتضاء والمنع.
في علم الكلام والأصول نجد المنطق البرهاني أو الجدلي أو المغالطي أحيانا عند البعض كالسبل الخطابية ينفعل ويتفاعل في حوار العلماء ونقاشاتهم الاستدلالية في الأصول والفروع والظاهر أن المنطق الصوري يتكفل بعملية الاستدلال العقلي في البرهنة ولكن الأمر ليس كما يبدو للناظر، فالموضوع له تفاصيله.
والفلسفة _أيضا_ في معاييرها التقليدية تتكفل بذلك من جهة جعل المنطق الصوري أداة معيارية لضبط التفكير في البرهنة طريقا للوصول لليقين والاطمئنان، والجدلي للمناظرات والإفحام مقابل أنواع استدلالات المنطق الأخرى حيث تستخدم النظم عبر التقنين بطريقة آلية بين يقينية واحتمالية.
إذا نظر الباحث نظرة منصف لاستدلالات الأعلام في المواضيع المتعددة سيلاحظ أن كثيرا من البحوث الأصولية تنشط فيها استدلالات بمسالك منطقية متعددة غير ملتزمة بالمنطق الصوري حصريا، وذلك لمحدودية هذا النوع من المنطق في القضايا حيث أن علاقة الموضوع بمحمول واحد متقيدا بين المادة والهيئة محدودا في القيم والنتائج لذا جعل الأعلام يتخذون طريقا متعددا في الوضعيات المختلفة في طرق الاستدلالات المنطقية للوصول للواقع باستنباط أعمق قائم على الطريقة العلمية.
إن الأوضاع المتعددة للموضوع الواحد وملاكاته، وطبيعته، ومدى نسبية انطباقه على المصاديق، تجعل المستنبط محتاجا لعلوم متعددة للوصول للتشخيص المنضبط حيث تعدد العلوم وتتداخل في طرق الاستنباط كعناصر مختلفة تحتاج تشخيصا مختلفا في المحاميل المتعددة، فقد يقتضي الأمر استدعاء العلوم الطبيعية ومنطقها للوصول للعناوين الشرعية التي تتعلق بها الأحكام الشرعية.
كما أن مكونات الفلسفة الأخلاقية ودخولها في التشريع سبب واضح لتشكيل الجانب التشريعي مؤلفا منها مع العقيدة، أو مع الاستقراء المنطقي، أو مع الخوف من العقاب ودفع الضرر عقلا في الجوانب التشريعية والتقنين حتى برزت المدارس الأصولية المتعارفة كمدرس قبح العقاب بلا بيان بعقيدة العدل، ومدرسة حق الطاعة بالاحتمال الاستقرائي، والمدرسة الإخبارية بالفلسفة الأخلاقية الخاصة، ومدرسة المحدثين القائمة على دفع الضرر المحتمل.