هناك سياقات وملاكات مختلفة في المسائل الأصولية التي تتعامل معها المدارس الأصولية بشكل عام رغم اختلاف مناهجها المختلفة إلا أنها تعتمد المنطق الذي فيه إمكانية توليد اليقين من الظنون المتراكمة القائمة من دليل معتبر، فتبحث تلك المدارس في نوعية الدليل بغاية رفع القيمة الاحتمالية حتى تصل لمراحل العلم بالطرق العلمية عبر أنواع المنطق.
نظرا لاختلاف مراتب العلم في الملاكات والاستنباطات في المسائل المختلفة حيث أنها لا تكون في مرتبة علمية واحدة بحسب ظروفها ومعطياتها التي تستخدم في الوصول للنتائج المجهولة لكي تصبح معلومة معتبرة احتاج العلماء إلى تعدد الأدوات العلمية المنطقية لتحصيل العلم الملزم والمعتبر للوصل للحجية أو بيان الحجة.
وفي هذا الأمر سنحتاج لأمرين لابد من دراستهما:
الأمر الأول: المنهج المنطقي وكيفية تعامله مع المسائل للوصول للنتائج.
الأمر الثاني: كيف أن نفس المنهج سيتعامل مع مشاكله في عملية الاستنباط.
ولا يخفى أن الأمارات منها ما هو ظني و ما هو يقيني، فاليقيني واضح غالبا بخطاب صريح، ولكن التعامل مع الظني هو الذي يختلف من منهج منطقي لآخر:
- فالمنطق الصوري مثلا هو ما ينتج اليقين من اليقينيات تعتمده مدرسة قبح العقاب بلا بيان.
- والمنطق الاستقرائي هو الذي يولد اليقين من الظنون المتعددة وتراكم القرائن والاحتمالات المختلفة وقد اعتمدته مدرسة حق الطاعة ورأت بأنه بإمكانه الوصول حتى للجزم عقلا وعقلائيا.
- والمدرسة الإخبارية اعتمدت منطق البيان اللفظي وأصول فقه اللغة حيث يسمى في زماننا الحالي بالمنطق النصي حيث اعتمدوا عليه باعتبار أن التعامل مع الخطاب لا يحتاج لقرينة أكثر من ذلك.
- أما مدرسة المحدثين فقد اعتمدت على أصول البيان في الخطاب والأصول العملية في موارد الشك وقد حاكت منطق الاستدلال في مدرسة قبح العقاب بلا بيان نظرا لكون مدرسة حق الطاعة حديثة التأسيس فلم تعمل بمنطق الاستقراء ولم تعتمد مقدماته الاحتمالية.
إن هذا التقسيم لا يعني بأن المدارس المتعددة لا تستخدم هذه الأنواع والمناهج المتعددة من المنطق مطلقا، لأن في موارد الخطاب ستحتاج حتما لمباحث الألفاظ ولكن المقدمات في التعامل مع المظنونات في هذه المسائل يكون عقليا عند مدرسة وبقواعد اللغويين عند مدرسة أخرى، بمعنى آخر: أن هناك من يرى كلام اللغوي حجة في مدرسة وآخر يقيد كلام اللغوي لعدم إدراكه للمباحث العلمية الأصولية ليصل إلى النتيجة العلمية الأصولية ولو وصل للنتيجة اللغوية.
بين الاستدلالي والاستقرائي:
التأليف بين المقدمات وملاحظة الحد الأوسط فيها يجعل الاختلاف في الاستنباط واضحا بين المنطق الاستدلالي والمنطق الاستقرائي في المدارس الأصولية، حيث أن المنطق الاستدلالي الصوري فيه مقدمات تتألف من اليقينيات فتنتج يقينيات ، والمنطق الاستقرائي يتعامل مع جزئيات الأمارات والحجج حيث أن تراكماتها المختلفة ينتزع منها قانون عام كلي ينتج حكما عاما كليا رغم نقص الاستقراء ومشاكل الاحتجاج بأسسه المنطقية إلا أن طبيعة الحجة وتكرار الحالات تجعل المقنن مقتنعا باعتبارية ما وصل عليه علميا.
كذلك الأمر في المدرسة الإخبارية الأصولية حيث اعتماد أصول البيان اللفظي في حالات الشك بين طريقة السماع وطريقة الاستنباط عند اللغويين حيث لابد من إعمال طريق الاستدلال السماعي القائم على الاستقراء وطريق الاستنباط القائم على الاحتمال في الاستنباط للوصول لليقينيات بفقه اللغة.
فالمنطق الصوري الاستنباطي يعتمد على الكليات للوصول للجزئيات والمنطق الاستقرائي يعتمد على حصر واستقراء الحالات الجزئية لينتزع القانون العام منها أو الحكم نظريا.
وهناك المنطق المحاميلي القائم على الفرضيات بالنسبة المئوية تعمل به جميع المدارس ولكن نظرا لعدم وجود المعيار النسبي بالدرجة المئوية وعدم استعمال المنطق الضبابي والغيمي في علم الأصول على نحو تأسيسي ولكن على نحو فعلي وعملي دون الإشارة إليه، أي أنهم يستنبطون من الرابط الجامع دون الرجوع لمنهج النفي والاستبعاد في المحاميل المستبعدة عن الاحتمال.
سنتطرق إلى هذه المناهج في الأيام القادمة بعونه تعالى.