إن الحديث عن المناهج الفلسفية في الاستنباط الأصولي لا يجعلها منهجا مستقلا قائما بذاته في استدلال الأعلام في جميع مفاصل ومباحث علم الأصول من جهة تمكننا من إطلاق نسبة على أحد الفقهاء لأي مدرسة فلسفية كمشائي أو كصدرائي أو كإشراقي أو امبيذقلي …إلى غير ذلك من التسميات، وإنما الأمر قائم على تحديد التأثر بمدرسة ما في توظيف فلسفتها في المباحث الأصولية التي تحتاج للبيان العقلي.
هناك من الأعلام من استخدم التحليل العقلي الأعم من الفلسفة والمنطق ولم يتقيد باستدلال منهج منطقي منسوبا لمدرسة معينة أو منهجا فلسفيا منسوبا لمدرسة فلسفية مما يجعله فريدا في استخدام أدواته المنطقية الخاصة، ومبدعا في توظيفها بكيفية تنسب لطريقته.
وهناك من يتسرع في حكمه على بعض الأعلام لمجرد مناقشته أو بحثه في مورد غير محوري في علم الأصول لينسبه لمدرسة استدلالية معينة، فالفقهاء الأصوليون قد يستدلون في مورد ومبحث بفلسفة مشائية وفي أخر بفلسفة صدرائية وأحيانا بالإشراقية… وهكذا. فلا السيد الصدر ره ينسب للغرب بسبب الاستدلال الاستقرائي والرياضي ولا السيد الخوئي ره ينسب للمشائيين والصدرائيين بالحكمة المتعالية …وهكذا.
حينما نتطرق للمباحث العقلية في علم الأصول ومعالجة إشكالياتها سنجد بأن في بعض الموارد أن العلامة الحلي ره قد تعامل بالمنهج المشائي الفلسفي ومتقيدا بالمنهج الأرسطي في جانب آخر، وكيف أن الشريف الرضي ره والشيخ الطوسي ره تعاملوا بمنهج الكلاميين وفلسفة المدرسة الكلامية في جانب آخر، وكيف تعامل الوحيد البهبهاني ره والشيخ الأنصاري ره في بعض الموارد بفنية التحليل الأصولي الصرف وتحكيم الأصل، والفلسفة المشائية المتقومة بالمنطق الأرسطي بطريقة استدلال متقدمة عقليا عن الآخوند ره، ودقة التحليل العقلي الذي بمنهج تميز به العراقي ره والنائيني ره، وأخيرا في زماننا المعاصر السيد الصدر ره باستخدام مناهج التحليل الحديثة القائمة على الاحتمال.
والمقصود في كلامي (التحليل الأصولي) بالمنهج العقلي العام أو الاستدلال الأصولي حينما تعرضت في الأمثلة لذكر منهج الشيخ الأنصاري أوالنائيني أوآغا ضياء ره بأنهم لا يستدلون في مناقشات هذه المسائل إلى قاعدة أو فرضية فلسفية من أي مدرسة، فلو نظرنا لمبحث حقيقة القطع، أو الظن ، أو الاستصحاب عند الشيخ الأنصاري ـ مثلاـ فإنه لا يستند إلى مباحث أصالة الوجود أوالماهية فيها أو الحركة الجوهرية، ولكنه يستنتج ما يؤيده بتحليل عقلي منطقي خاص، كذلك لو بحثنا الترتب عند الشيخ النائيني ره واجتماع الأمر والنهي والواجب المشروط وغيره فسنجد أن منهجه اعتمد التحليل والتفكيك بين مقدمات القضايا ولم يستند على المباحث الفلسفيةفي المباحث الأصولية التي تحتاج للاستنباط والبت العقلي فيها حيث يتراوح فيها استخدام الرجوع للأصل العملي أو المنهج الفلسفي أو المنهج المنطقي في توجهات الأعلام … وهكذا.
نظرا للتوليفة الاستنباطية التي تستعين بالمنطق الأرسطي مع ضبطه للفلسفة المشائية فإن البعض يتسرع في الحكم على بعض الأعلام بأنهم مشائيون أو يحكم على آخرين بأنهم صدرائيون أو من مدرسة الحكمة المتعالية، بينما يختلف الاستنباط ـ كما أسلفنا ـ في المناهج المنطقية بأنه إما صوري كالحكم على الجزء من الكل أو العكس كالمنطق الرياضي أو الاستقرائي حيث انتزاع الحكم من أجزاء مشتركة، وعلى الجانب الأخر هناك أربع دارس فلسفية مؤثرة في المباحث الأصولية كالمدرسة المشائية والإشراقية والكلامية والحكمة المتعالية (الصدرائية) ولم يجد خادمكم من استخدم منهج المدرسة العرفانية في المباحث الأصولية لعدم التقائها أو توافقها مع تلك المدارس.
شيخنا الأستاذ ـالشيخ الفياض رهـ ـ هو امتداد لمدرسة السيد الخوئي ره في هذا الشأن من حيث البرهان الأرسطي التقليدي ويمكن ملاحظته بوضوح في كتابه المباحث الأصولية حيث التدقيق الصارم على الحدود والتعاريف، التحليل الدقيق بين القضايا مع مراعاة بيان الحد الأوسط والتفكيك في التحليل وتحديد الجهات، التفريق بشكل واضح بين اللوازم والبرهنة على ذاتيتها أو عرضيتها، ومن تلك الطرق المنطقية يتجلى استدلاله وبرهانه المنطقي الأرسطي للمتابع حيث تحليله العلمي، لذلك لن تجد عند سماحته الجدل في مخرجاته.
أما عن المباحث ذات الأصول الفلسفية فإن سماحته ناقشها كثيرا ولم ستخدم فيها فرضيات المدارس الفلسفية، فالاستعانة بالفلسفة كان بمقدار ما استدعته براهينه في الاستنباط الأصولي وما يخدم بحثه من غرض و اعتمد تحليله العقلي فيها.
وعلى هذا فهناك ثلاثة فصول سنناقشها في هذه المباحث:
الأول: المناهج المنطقية والمباحث الأصولية التي استخدمت فيها ومناقشتها.
الثاني: المناهج الفلسفية والمباحث التي استخدمت فيها ومناقشتها.
الثالث: الاستدلال الأصولي في تلك المباحث ومناقشتها.
وسيأتي الكلام حولهم بعونه تعالى.